الشيخ عبد الغني النابلسي
70
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
فقال له : وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً [ البقرة : 259 ] فعاين كيف تنبت الأجسام معاينة تحقيق فأراه الكيفيّة . فسأل عن القدر الّذي لا يدرك إلّا بالكشف للأشياء في حال ثبوتها في عدمها فما أعطي ذلك فإنّ ذلك من خصائص الإطّلاع الإلهي . فمن المحال أن يعلمه إلّا هو فإنّها المفاتح الأول أعني مفاتح الغيب الّتي لا يعلمها إلّا هو وقد يطلع اللّه من شاء من عباده على بعض الأمور من ذلك . فلما كان مطلب العزير عليه السلام تحصيل العلم عنده بكيفية إعادة بناء بيت المقدس ، وتعيين السبب والوقت والفاعل بوجه ، جزي ليكشف عن ذلك على الطريقة الخاصة النبوية الحاصلة بالوحي الجبرائيلي لذلك ، أي لأجل هذا السبب وقع العتب ، أي المعاتبة من اللّه تعالى عليه في ذلك كما ورد في الخبر الإلهي قال اللّه تعالى : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها [ البقرة : 259 ] الآية . حيث كان عند طريقة العلم الكامل المذكور فلو أنه عليه السلام طلب الكشف عن ذلك بالوجه الذي ذكرناه من طريق التجلي الإلهي بالذوق الوجداني من مقام ولايته ربما كان لا يقع عليه عتب من جهة الحق تعالى في ذلك السؤال الذي سأله . والدليل عندنا على سذاجة ، أي عدم التركيب قلبه ، أي العزير عليه السلام كبقية الأنبياء عليهم السلام ، فإنهم يهملون النظر في الأمور من جهتهم عقلا وكشفا ، ويطلبون العلم بها من جهة ربهم بطريقهم النبوي الخاص قوله عليه السلام في بعض الوجوه ، أي الجهات التي أرادها حين مر على بيت المقدس ، وقد خربها بختنصر وقتل اليهود أَنَّى أي كيف يُحْيِي هذِهِ ، أي القرية بمعنى البلدة بإعادة بنيانها وإرجاع أهلها يسكنون فيها اللَّهُ سبحانه بَعْدَ مَوْتِها [ البقرة : 259 ] ، أي خرابها وذهاب أهلها ، فإنه عليه السلام لولا سذاجة قلبه وعدم تكلفه وتصنعه في الأمور ما وقع منه السؤال عن ذلك ، مع كمال إيمانه بالقضاء والقدر ومعرفته بسعة قدرة اللّه تعالى عن أبلغ من ذلك ؛ ولهذا أجابه اللّه تعالى عن سؤاله ذلك بأن أماته مائة عام ، ثم بعثه وأراه العبرة في نفسه غيرة عليه أن يسأل عن مثل ذلك مع كمال مقامه ورفعة شأنه ، هذا عند طائفة من أهل طريق اللّه تعالى . قال الغزالي رحمه اللّه تعالى : وانظر كيف تحمل لإخوة يوسف عليه السلام ما فعلوه بيوسف عليهم السلام ، ولم يتحمل للعزير عليه السلام كلمة واحدة سئل عنها في القدر وأما عندنا ، أي معشر المحققين من أهل اللّه تعالى فصورته ، أي العزيز